حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدي الخراساني ( ابن زنجوية )
264
كتاب الأموال
قال : فلم أرهما من الغنيمة ، فأقسمهما بينهم ، ولم أحرزهما بجزية ، ثمّ أقبلت إلى عمر ، وقد راث عليه الخبر ، وهو يتطرّف المدينة ويسأل ، فلمّا رآني قال : ويلك يا ابن مليكة ، ما وراءك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، الذي تحبّ ، ثمّ ذكر وقعتهم ومقتل النّعمان وفتح اللّه عليهم ، وذكر له شأن السّفطين ، قال : اذهب بهما فبعهما ، إن جاءا بدرهم أو أقلّ من ذلك أو أكثر ، اقسمه بينهم ، قال : قال : فأقبلت بها إلى الكوفة ، فأتاني شابّ من قريش يقال له عمرو بن حريث ، فاشتراهما بأعطية الذّرّيّة والمقاتلة ، ثمّ انطلق بأحدهما إلى الحيرة فباعه بما اشتراهما به منّي ، فكان أوّل لهوة مال أتّخذه " . قال أبو عبيد : في هذا الحديث فصل ما بين الغنيمة والفيء ، ألا ترى أنّ السّائب قد كان أشكل عليه وجه الأمر من أيّهما يجعل الجوهر ، حتّى سأل عن ذلك عمر ، وذلك أنّه لم يصبه في مباشرة حرب فيكون غنيمة ، ولم يأخذه من أهل الذمّة من جزيتهم ، فيكون فيئا ، ولكنّه كان في حال بين الحالين ؛ فلهذا ارتاب حتّى ذكره لعمر فأمره ببيعه ، وقسّمه بين الذرّيّة والمقاتلة ، ولم يأمره أن يخمّسه ، فقد تبيّن لنا أنّه جعله فيئا ، وهذا فرق ما بين الغنيمة والفيء : أنّه ما نيل من أهل الشّرك عنوة قسرا ، والحرب قائمة ، فهو من الغنيمة التي تخمّس ، ويكون سائرها لأهلها خاصّة دون النّاس ، وما نيل منهم بعد ما تضع الحرب أوزارها ، وتصير الدّار دار الإسلام ، فهو فيء يكون للنّاس عامّة ، ولا خمس فيه ، ويكون مثله ما نيل من أهل الحرب ما كان قبل لقائها ، وذلك كجيش خرجوا يؤمّون العدوّ ، فلمّا بلغهم خبرهم ، اتّقوهم بمال بعثوا به إليهم ، على أن يرجعوا عنهم ، فقبل المسلمون المال ورجعوا عنهم قبل أن يحلّوا بساحتهم ، وقد روي نحو ذلك عن الضّحّاك مفسّرا .